مقالات

سيلفي بين قطارين والصيف الذي أطاح بزيارة بيت الشيطان

 

بعد يومين أو ثلاثة في شقة جمال جمعة الأنيقة في الشارع الرئيس بمركز العاصمة الليتوانية فيلنيوس اقترح علي أن نزور مدينة تبعد بالقطار بحدود الساعتين: (هناك معرض تشكيلي لواحد من كبار تشكيليي البلد، وفيها متحف للشيطان، فيها أيضا كاتدرائية قديمة، المدينة جميلة) قال لي جمال وهو يرغّبني بهذا السفر، وافقته وقلت: لا بأس في أن نزور بيتاً لله وآخر للشيطان وثالثاً للإنسان. في الواقع كان جمال بهذه الخلطة الثلاثية المفاجئة (كاتدرائية ومتحف للشيطان ومعرض لفنان) قد أوحى لي مباشرة بقصيدة، وكان البدء بها والعثور على مفتتح وعلى فكرة مناسبة لبناء القصيدة هي المشكلة التي يمكن أن تحل من خلال الزيارة.

قبل سفري، وقد تأخرت طويلاً عن تنفيذه، كنت متوقفاً عن كتابة الشعر لما يقرب من ستة أشهر، وهي مدة كنت مستغرقا فيها بأكثر من مشروع كتابي ليس من بينها الشعر.. وكان من دوافع السفر، فضلا عن لقاء صديق عزيز، هو التوفر على وقت هادئ لتحرير كتابين كانا منجزين تقريباً ويتطلبان مراجعة أخيرة لدفعهما للنشر.

جمال الذي كنت في ضيافته يحيا حياته شعراً، وهو أحد أندر الأصدقاء الملهمين والمحرضين على الشعر. وفعلاً مع أول يوم وصولي فيلنيوس، وقبل أن تطرأ على بالي فكرة قصيدة المدينة التي سنزورها، كنت قد بدأت في شقة جمال أستعيد كتابة الشعر، فقد كتبت قصيدتين خلال الأيام القليلة الماضية قبل أن نفكر بالسفر إلى مدينة كاوناس.

كان صباح الخميس الثلاثين من حزيران موعداً لسفرنا؛ استيقظت مبكراً كالعادة، تناولت كوب شاي وقطعة بسكويت في الشرفة. تحت ناظريّ كان الشارع، بخلاف ما هو عليه في كل صباح، خالياً تماماً من المارة. حركة السيارات هي الأخرى نادرة؛ ليس في الشارع سوى سيارات أجرة متباعدة تختفي الواحدة منها فلا تظهر الأخرى إلا بعد دقائق يكون خلالها الشارع بلا أيِّ مظهر للحركة والحياة. استيقظ جمال، وقبل أن يفطر، كانت له جولة تبدو معتادة في أهم المواقع الإخبارية الدولية؛ (صوَّت البريطانيون بنعم للإنفصال عن الإتحاد الأوربي!) أبلغني بالنتيجة التي كنا ننتظرها طيلة ليلة أمس والتي نسيتها في ذلك الصباح الجميل. في الطريق إلى محطة القطار لم يكن الوضع مختلفاً؛ التاكسي التي أقلتنا كانت وحدها في معظم الشوارع التي مررنا بها وفي الإشارات الضوئية التي استوقفتنا، وهكذا كان الحال أيضاً في محطة القطار الرئيسة في العاصمة، بضعة أنفار كانوا قبلنا وبضعة آخرين جاءوا بعدنا، وببشر قليلين بعربات معظمها خالية انطلق بنا القطار الكبير ذو الطابقين. هل أقلق الليتوانيين خبر انسحاب البريطانيين من الاتحاد الأوروبي؟

افتتان جمال بالفوتوغراف ومهارته فيه قدّما لنا صورةَ سيلفي نادرة في القطار. بعد التقاطها والتأمل فيها استذكرنا صورةً تطابقها كثيراً كان جمال يحتفظ بها منذ السبعينات، التقطها لنا مصورٌ جوّال بكاميرا فورية في واحدة من سفراتنا بين البصرة، التي كنا ندرس فيها، وبغداد. هاتان الصورتان ستكونان موضوعاً لقصيدة، فيما كانت حركة القطار بين عالمين من الأشجار المحيطة بالطريق موضوعاً لقصيدة قبلها، إنها القصيدة التي كنت منشغلاً بها وبكتابتها على موبايل سامسونج حينما كانت كاميرا موبايل جمال جمعة السامسونج هي الأخرى تلتقط السيلفي. لا أحسب أن شاعراً من قبل رصدته كاميرا (متلبّساً) بكتابة الشعر، كتابة الشعر عمل سرّي.

قبل هذه السفرة المشتركة كان جمال جمعة قد زار متحف الشيطان في (كاوناس). سألته، ونحن في القطار، عن طبيعة المتحف ومحتوياته وكيفية تمثّل الشيطان فيها. كانت الفكرة تقوم على عمل منحوتات ورسومات للشيطان كما جسدته ديانات مختلفة وكما تخيلته ثقافات وآداب وفنون أمم متنوعة. كان البوستر الذي وضع بباب المتحف نفسه يشير إلى هذه الطبيعة، حيث يظهر فيها الشيطان بشكل مسخ بين بشري ووحشي، إنها واحدة من صور كثيرة قد نصادفها في السينما والتلفزيون تريد التكريه بالشيطان. كانت فكرة هذا المتحف هي أكثر ما شدّني لزيارة هذه المدينة.

حين بلغنا كاوناس كانت المحطة شبه خالية كما هو الحال الذي خلفناه في العاصمة.. كانت السيدة ماريتانا، وهي مستشرقة ليتوانية، في انتظارنا في سيارتها بصحبة ابنتها الصغيرة (عليّة).. لقد ولدت وتعيش حالياً في هذه المدينة فيما هي تواصل تدريس العربية في جامعة فيلنيوس بالعاصمة وتدرس من جانب آخر لإكمال الدكتوراه في جامعة بون التي تعلمت العربية فيها، وكان من بين أساتذها المستشرقة الألمانية آن ماري شيميل.

لقد كانت ماريتانا كريمة حقاً، فقد بدأت النهار بالتأكيد على أن الوقت متاح أمامنا لرؤية ما نريد رؤيته في مدينتها، إذ كانت على تصور عن هدفنا من الزيارة، لذلك سألت من أين نحب البدء؟

اقترحنا أن نبدأ بزيارة بيت الله قبل بيتي الشيطان والإنسان. كانت فرصة طيبة لزيارة كاتدرائية يعود انشاؤها إلى القرن الخامس عشر، وكانت الفرصة الأهم أن وصولنا الكاتدرائية ترافق مع مراسم دينية لاتمام زواج عريسين من المدينة، كانت مراسم قد امتزج فيها الطقس الديني بالتقاليد الشعبية العريقة للزواج هناك. كنت أستفسر وأصوّر وكانت السيدة ماريتانا لا تبخل علينا بأجوبتها وهي تتحدث العربية بطلاقة واضحة، وكان من الطريف أن تبدي هي إعجاباً بقدرتي على التحدث بالفصحى بطلاقة، وكيف أن هذه الفصاحة لم تخالطها العامية!

كان وصولنا المدينة في وقت قارب الظهيرة حيث شهدت المقاهي والمطاعم تواجداً للسكان ولبعض السائحين، لذلك لم ننتبه ولم نتوقف عند دواعي انعدام الحركة ووجود الناس خلال الساعات الماضية في العاصمة وفي محطتي القطار، لكن!

ما إن وصلنا قاعة العرض التشكيلي وكانت مقفلة حتى تفاجأنا جميعاً بأن يوم الثلاثين من حزيران هو عطلة رسمية، فهو اليوم السنوي لبدء فصل الصيف، إنه يوم النهار الأطول. عبّرت مضيفتنا عن حزنها لعدم الانتباه إلى كون اليوم عطلة حيث ستتعذر رؤية البيتين معا؛ بيت الإنسان وبيت الشيطان. فاقترحت ماريتانا الذهاب إلى بحيرة قريبة نعوض بها استحالة زيارة المعرض التشكيلي والمتحف، كانت البحيرة على طرف المدينة حيث يتواجد الناس هناك في استقبال الصيف.

حين عدنا اكتملت القصيدة عن المدينة، وحين غادرت فيلنيوس بعد المكوث فيها لاثني عشر يوما كنت قد أكملت ثماني عشرة قصيدة، فيما نسيت فكرة تحرير الكتابين غير الشعريين للطبع.